الذكرى الـ 79 لرحيل العلامة الجليل عبد الحميد بن باديس رحمه الله

• 16 أبريل, 2019 • القسم: الأخبار المحلية

من مواليد 04 ديسمبر 1889 بقسنطينة من عائلة ميسورة الحال، مشهورة بالعلم، أسرة تاريخية عريقة، أدخله والده المدرسة القرآنية، فحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ محمد المداسي، و أتم حفظه و هو في الثالثة عشر من عمره، ثم تلقى مبادئ العلوم العربيـة و الإسلامية على يد الشيخ حمدان لونيسي الذي كان له تأثير كبير في حياته و توجهه المستقبلي.

و قد حرص والده على تربيته تربية إسلامية أصيلة فلم يلحقه كبقية الأسر الجزائرية الغنية في ذلك الوقت بالمدرسة الفرنسية، لأن أمنية والده هو أن يصبح ابنه عالما من كبار علماء الإسلام، حيث كان يقول له: “يا عبد الحميد، أنا أكفيك أمر الدنيا، أنفق عليك، أقوم بكل أمورك…فاكفني أمر الآخرة، كن الولد الصالح العالم العامل الذي ألقي به وجه الله”.
و في عام 1908 سافر بن باديس إلى تونس، أين التحق بجامع الزيتونة، و بعد 04 سنوات نال شهادة العالمية عام 1912، و تلقى تعليمه على يد كبار العلماء هناك أمثال محمد النخلي القيرواني، و الشيخ محمد الطاهـر بن عاشـور،و قد عرف عنه آنـذاك الالتـزام الديني والاخلاقي .
و في عام 1913 عاد إلى قسنطينة، و شرع في التدريس بالجامع الكبير، لكنه قطع عمله في العام نفسه و سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج و الاستزادة من العلم، و الإطلاع على تجارب الإصلاح في الأقطار المشرقية. مكث في الحجاز 03 أشهر، إلتقى خلالها بشيخه حمدان لونيسي الذي هاجر قبله بسب مضايقة الاستعمار له في الجزائر، و تعرف على زميله في الكفاح و الإصلاح الشيخ البشير الإبراهيمي، و عند عودته للجزائر زار بعض البلدان المشرقية، مثل سوريا، لبنان، فلسطين و مصـر، و اجتمـع برجـال الفكــر و العلـم و الأدب فيهـا و زار الأزهر الشريف.
و في سنة 1918 عاد إلى أرض الوطن ليفتح باب الاجتهاد على مصرعيه و يناضل بالعقل و القلم و اللسان في ميادين عديدة.
و هكـذا أنهى ابـن باديس تعليمــه داخـل الوطـن و خارجـه و تفرغ للتدريـس بالجامـع الكبيـر، و الجامع الأخضر،و جامع سيدي قموش و سيدي فتح الله و سيدي بومعزة و سيدي عبد المؤمن بالإضافة إلى مدرسة التربية و التعليـم التـي أسسهـا بقسنطينة سنة 1930 و فيما أنشأ هو و زملاؤه العلماء من مدارس التعليم العربي الحر تحت إشراف العلماء عبر التراب الجزائري بلغت 150 مدرسة، فكانت دروسه ثورة على البدع و الخرافات و نبذ العصبيات الجنسية و المذهبية الحزبية مما حرك أفكار الناس و عقولهم.
و لقد كان يدرس لتلاميذه القرآن بطريقة حية مثمرة على أساس أنه هداية عامة –كما يقول- لجميع البشر، وقد طبق منهجه في التربية و التعليم على جميع المواد العلمية التي درسها لطلبته.
و بينما كان معلما للتلاميـذ كان صحافيـا كبيـرا و سياسيا بارعا، فتمكن بذلك من الاتصال بجمهور الشعب الجزائري في كافة أنحاء القطر، و قد بدأ الكتابة الصحفية في جريدة النجاح سنة 1919 فكان ينشر فيها مقالاته لكنه ما لبث أن انفصل عنها بعد أن انحرف صاحبها عن الخط الوطني و جعل من صحيفته لسانا من ألسنة الإدارة الاستعمارية، فأصدر الإمام أول جريدة له باسم المنتقد في عام 1925 فكانت ثورة على التوجيه السائد لدى الطرق الصوفية الفاسدة “اعتقـد و لا تنتقد”.
و كانت عنيفة في انتقاد تصرفات الإدارة الفرنسية التي أوقفتها بعد صدور 18 عددا منها فأصدر في العام نفسه “الشهاب” التي استمرت في الصدور 15 عاما (1925-1939)، كما أدار أرقى الصحـف العربيـة فـي عهده مثــل “الصـراط السـوي” و “السنة النبويـة” و “الشريعة المحمديـة” و “البصائـر” و حرر
أرقى المقالات السياسية و الأدبية و الإصلاحية، و وقف مواقف تاريخية مشهودة. و ظل الإصلاح الاجتماعي و الديني يمثل انشغاله الأساسي كما تشهد علـى ذلك كتاباتـه و تقاريـره الإداريـة و الأدبيـة و السنوية التي كان يعرضها في الاجتماعات العامة لجمعية العلماء المسلمين الجـزائرييـن و فـي المؤتمـرات التـربـويــة و السياسية التي كان يعقدها إما في إطار جمعيته أو في إطار الحركة الوطنية الجزائرية عموما، لكن ذلـك المفكـر الدينـي و المفسر للقرآن و الشارح للحديث كان مصلحا يهدف إلى تحقيق إسلام متفتح على الحداثة و المعاصرة، و لقد كان ابن باديس وطنيا إلى أقصى ما يمكن التعبير عن الوطنية فظل يقاوم في هذا الإطار، و كان أول من جمع بين الدين و الوطنية في مقاومة الاستعمار حين جعل شعار حركته (الإسلام ديننا و العربية لغتنا و الجزائر وطننا) و لقد قاوم الماضي التاريخي و الأخلاقي لفرنسا في الجزائر إذ حـاول إقنـاع موطنيـه بـأن خـلاص الجزائـر و سلامتها لا يتم بعيدا عن الإسلام.
و لقد كان ابن باديس يؤثر علـى قرائـه و مستمعيه بقوة البيان العربي و بالأفكار النيرة المؤثرة في النفوس و العقول،و ظل يقاوم من أجل الوصول إلى جزائر حرة مستقلة لكنه لم يتمكن من مشاهدة نتائج حركتـه إذ توفي فـي يوم 16 أفريل 1940

أضف تعليقك