من المجتمع / دور المسجد

• 15 يناير, 2017 • القسم: الحصص

إن أشرَفَ البقاع على ظهر الأرض هي المساجد؛ لأنها بيوتُ الله عز وجلَّ؛ مصداقًا لِما رواه عبدالرزَّاق بسنده، عن عمرو بن ميمون الأوديِّ، قال: “أدركتُ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجدَ بيوت الله، وإنه حق على الله أن يُكرِم مَن زاره فيها”.

وأكد القرآنُ الكريم فضل المساجد بنسبتها إلى الله عز وجل، وذلك في قول الله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18].

ولهذا كانت العنايةُ بالمساجد - عمارة، وتشييدًا، وبناءً، وصلاة، وذِكرًا لله عز وجل - أمارةً على الإيمان، وسبيلاً إلى الهداية؛ يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: 18].

وحينَ هاجَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ المنوَّرة، وشرَع في وضع الأُسس الراسخة لإقامة الدولة الإسلامية العظيمة، كان بناءُ المسجد في مقدِّمة تلك الأُسس، وبهذا أصبح المسجدُ مِحورَ حياة الدولة الإسلامية، وسرَّ قوتها؛ فهو أولُ مدرسة في الإسلام تَبني الأجيالَ، وتصنع الأبطال؛ يقول الله تعالى: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108].

والمجتمع الإسلامي هو مجتمعُ النظافة والصفاء، والطُّهر والنقاء، ولا تُكتَسَب هذه الصفات إلا من خلال التربية في المساجد، وهذه الآية الكريمة تشير إلى الطهارة الحسية والمعنوية؛ لأن المسلمَ مطالَبٌ في صلاته بأن يكون طاهرَ الثوب، والبدن، والمكان، وأن يكونَ طاهرًا من الحدَثَيْنِ الأكبرِ والأصغر، وحين يصلي فإن الصلاةَ تُطهِّرُه من الذنوب والآثام، بل تحفظُه من ارتكابها؛ مصداقًا لقول الله - تبارك وتعالى -: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].

وفي بيوتِ الله يتطهَّر المسلمُ من الأثَرةِ والأنانية، وحبِّ النَّفس، ويصبِحُ محبًّا للناس، يسعى في الخيرِ لعبادِ الله جميعًا؛ ولهذا أثنى اللهُ - تبارك وتعالى - على روَّادِ المساجد فقال: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور: 36 - 38].

وإذا كان المسلمون قد أنشَؤوا المدارسَ والجامعاتِ، ووضعوا لها مناهجَ الدراسة، التي تشمل جميعَ العلوم والمعارف، كما أنشؤوا العديدَ من المؤسَّسات؛ كالمحاكم وغيرها - فإن رُوحَ المسجد ورسالته التربوية والأخلاقية والتوجيهية، ينبغي أن تسريَ في المدارس، والجامعات، والمؤسَّسات كلها؛ توجيهًا وتعليمًا ومناهجَ وسلوكًا؛ لأن الإسلامَ لا يعرف الفصلَ بين الدِّين والدنيا، أو بين العبادة والتعليم، أو بين العقيدةِ والسياسة، أو بين مطالبِ الرُّوح ومطالب الجسد.

وقد ثبَتَ أن الرجال الذين تَمَّت صناعتُهم في المسجد، كانوا دائمًا على مستوى المسؤولية؛ صدقًا في الكلام والفعل، ونظافة في اليد، وطهارةً في القلب، ونقاءً في السريرة، ووفاءً بالعهد، وشجاعة في الحق؛ ولهذا منَحَهم الله نَصْرَه وتأييده؛ لأنهم جنودُه، وهم الذين أشار إليهم قولُ الله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23].

وقد كان المسجدُ على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم دارًا للفتوى، وكثيرًا ما كان يأتي الناسُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، يستفتونه في شؤون دِينهم ودنياهم، فيُفتيهم، كما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَلْقى الوفودَ والسفراء في المسجد، ومِن المسجد كانت تنطلق غزواتُ المجاهدين في سبيل الله، وإليه تعودُ بعد أداء مهمتِها؛ ولهذا حالَفَها نصرُ الله وتأييده.

وقد كان المسجد دارًا للقضاء، والفصل بين المتخاصمين؛ حيث يأمَنُ فيه كلُّ إنسان على نفسه، ويطمئنُّ على أخذ حقه؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾ [ص: 21، 22].

قال الإمامُ القرطبي في تفسيره: “ليس في القرآن ما يدلُّ على القضاءِ في المسجد إلا هذه الآياتُ، وبها استدَلَّ من قال بجواز القضاءِ في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز - كما قال البعضُ - لَمَا أقرَّهم داود عليه السلام على ذلك، ولقال لهم: انصرِفا إلى موضعِ القضاء”.

وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم والخلفاءُ مِن بعده يقضُون بين النَّاس في المسجد.

وقد كان المسجد دارًا لتوثيقِ عقود الزواج؛ لِما رواه الترمذيُّ وغيرُه، عن عائشةَ رضي الله عنها، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أعلِنوا هذا النكاحَ، واجعَلوه في المساجدِ، واضرِبوا عليه بالدُّفوفِ)).

وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعتكفُ في المسجد بضعةَ أيَّامٍ؛ مشتغلاً بالعبادة، وبهذا يكونُ الاعتكافُ سنَّةً مأثورةً، وقد وردت الإشارةُ إلى الاعتكافِ في قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25]، وفي قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: 125].

وقد ورَد: أن سعدَ بن معاذ لَمَّا أُصيب يومَ الخندق، ضرَبَ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خيمةً في المسجد؛ ليعودَه من قريبٍ.

والمسجدُ كان - ولا يزال - أفضلَ مكانٍ للتشاور بين المسلمين، في كل شأن من شؤون دِينهم ومعيشتهم؛ لأن المسلمَ في المسجد يكونُ بعيدًا عن هوى النَّفس ونزغات الشيطان.

ولكي يعودَ للمسجد دورُه الرِّياديُّ في نهضة الأمَّة وتقدُّمها، واستعادة مَجْدها؛ فإنه ينبغي أن يمكَّنَ للمسجدِ كي يؤديَ رسالته الرُّوحية، والتعليمية، والاجتماعية، دون قيود؛ لكي يعودَ كما كان مِحورًا للعديد من المجالات النافعة للأمة؛ كأن يُلحَق به مستوصَف طبيٌّ لمعالجة المرضى، ورعاية الجرحى، وأن يُلحَق به نادٍ للشباب يمارسون فيه رياضةً بدنيَّة خفيفة، ويقومون بأنشطة ثقافية وترفيهية بريئة، وأن يضم مكتبةً للقراءة والمطالعة، يتزوَّدُ فيها رواد المسجد بالثقافة الرَّفيعة.

وكما كان المسجدُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موئلاً للفقراء والمساكين وأهلِ الصُّفَّة، فينبغي أن يعودَ له هذا الدور في رعاية الفقراء والمساكين، وتقديم العون لهم.

والحرصُ على صلاة الجماعة وسيلةٌ ممتازة للتعرُّف على ظروف هؤلاء وأحوالهم، وهذا في الواقع يُعَدُّ هدَفًا من أهداف الإسلام حين رغَّبَ في صلاةِ الجماعة، وحثَّ عليها.

عن مُعاذِ بن جبلٍ رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطانَ ذِئبُ الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاةَ القاصية والناحية؛ فإياكم والشِّعابَ، وعليكم بالجماعةِ والعامَّةِ والمسجد))[1].

وينبغي كذلك أن يقومَ المسجد بدوره في رعاية الطلاب، وتقديمِ العون لهم؛ كي يتفوَّقوا في دراستِهم؛ تخفيفًا عن كاهلِ أولياء أمورهم، ولكي تتوثَّقَ علاقةُ الشباب بربِّه عن طريقِ ارتباطه بالمسجد.

ولأن المساجدَ بيوتُ الله، التي يقصدها الصالحون من عباد الله لكي يتطهَّروا مِن الذنوب والآثام، ولكي يتزوَّدوا بكل نافعٍ من الثقافة والعِلم والمعرفة، ولكي يزدادوا إيمانًا على إيمانهم، ولأن الأمَّةَ في حاجَة ماسَّة إلى هذه النوعية الممتازة من الرجال الأطهار، الذين تربَّوا في بيوت الله - فإنه يجبُ أن يشجَّعَ أهلُ الخير على الإكثار من بناء المساجد، والعناية بها، وأن تقام المساجدُ في كل المؤسَّسات بشكل عام، وفي المدارس والجامعات والمصانع بشكل خاص.

كما يجبُ أن يُشجَّع أولادُ المسلمين بكل الوسائل على ارتياد المساجد، والتردُّد عليها بانتظام؛ حتى يألَفوها، وتتعلَّقَ قلوبهم بها؛ ضمانًا لِحُسن تنشئتهم وتربيتهم على طاعة الله، والبعد عن معصيته، وتوجيههم إلى أن يراقبوا اللهَ في أقوالهم وأفعالهم، ولكي يكونوا ضِمن مَن عناهم رسولُ الله بقوله: ((سبعةٌ يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظله… وشابٌ نشأَ في طاعةِ الله تعالى، ورجُلٌ قلبُه معلَّق بالمساجد…))[2].

ولهذا؛ ينبغي أن تفتَحَ المساجدُ أبوابَها كلَّ وقت؛ لكي يتردَّدَ عليها زوَّارُ الله وضيوفُه، دون أن يحولَ بينهم وبين ذلك حائلٌ مادِّي أو معنوي.

ولا يجوزُ بحال من الأحوال أن يتعرَّضَ ضيوفُ الرحمن لأية مضايقات أو إهانات، أو إيذاء أو تشويه لصورتهم، أو تشكيك في مقاصدهم ونياتهم.

وعجبًا لقومٍ يُسِيئون إلى روَّادِ بيوت الله بعد أن شهِدَ لهم اللهُ ورسولُه؛ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم الرجلَ يعتاد المساجدَ، فاشهَدوا له بالإيمانِ))[3]، قال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: 18].

هذا قليلٌ من كثيرٍ مما يمكن أن يقومَ به المسجد؛ لكي تنهضَ هذه الأمَّةُ من عثرتِها، وتسترد مكانتها بين الأمم، قائدةً ورائدة، كما يريد اللهُ لها، وعلى نحوِ ما كان عليه حالُ السابقين، ومَن تبِعَهم بإحسان.

يقول اللهُ تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 143].

هذا سبيلُ المؤمنينَ الصَّادقين، وهذا طريقُ الأوَّلين، الذين مكَّنَ اللهُ لهم في الأرض وجعَلَهم الوارثين، واللهُ هو الهادي إلى سواءِ السبيلِ.


[1] رواه الإمام أحمد في المسند.

[2] جزء من حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وتمام الحديث: ((سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظله: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادةِ الله عز وجل، ورجل قلبُه معلَّق بالمساجد، ورجلان تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل دعَتْه امرأة ذاتُ منصب وجمال فقال: إني أخافُ الله، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلَمَ شِمالُه ما تُنفِق يمينُه، ورجل ذكَرَ اللهَ خاليًا ففاضت عيناه))؛ متفق عليه.

[3] رواه الترمذيُّ وقال: حديث حسن، ورواه ابن حِبَّان والحاكم.

أضف تعليقك